محمد بن جرير الطبري
159
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لدلالة قول الله تعالى : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ على أن ذلك كذلك ؛ لأن إقامتها إتمام حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبة في حال الخوف . فإن ظن ظان أن ذلك أمر من الله بإتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوال الخوف ، فقد يجب أن يكون المسافر في حال قصره صلاته عن صلاة المقيم غير مقيم صلاته لنقص عدد صلاته من الأربع اللازمة كانت له في حال إقامته إلى الركعتين ، فذلك قول إن قاله قائل مخالف لما عليه الأمة مجمعة من أن المسافر لا يستحق أن يقال له : إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها ، وقصر عددها عن أربع إلى اثنتين أنه غير مقيم صلاته . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان الله تعالى قد أمر الذي أباح له أن يقصر صلاته خوفا من عدوه أن يفتنه ، أن يقيم صلاته إذا اطمأن وزال الخوف ، كان معلوما أن الذي فرض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة ، عين الذي كان أسقط عنه في حال صلاة الخوف ، وإذ كان الذي فرض عليه في حال الطمأنينة إقامة صلاته ، فالذي أسقط عنه في غير حال الطمأنينة ترك إقامتها . وقد دللنا على أن ترك إقامتها ، إنما هو ترك حدودها على ما بينا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ يعني بذلك جل ثناؤه : وإذا كنت في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمد الخائفين عدوهم أن يفتنهم ، فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ صلاة المسافر يقول : فأقمت لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها ، ولم تقصرها القصر الذي أبحت لهم أن يقصروها في حال تلاقيهم وعدوهم وتزاحف بعضهم على بعض ، من ترك إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها ، فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ يعني : فلتقم فرقة من أصحابك الذين تكون أنت فيهم معك في صلاتك ، وليكن سائرهم في وجوه العدو صلاة الخوف . وترك ذكر ما ينبغي لسائر الطوائف غير المصلية مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به والاستغناء بما ذكر عما ترك ذكره . وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ اختلف أهل التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح ، فقال بعضهم : هي الطائفة التي كانت تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ومعنى الكلام : وَلْيَأْخُذُوا يقول : ولتأخذ الطائفة المصلية معك من طوائفهم أَسْلِحَتَهُمْ ، والسلاح الذي أمروا بأخذه عندهم في صلاتهم كالسيف يتقلده أحدهم والسكين والخنجر يشده إلى درعه وثيابه التي هي عليه ونحو ذلك من سلاحه . وقال آخرون بل الطائفة المأمورة بأخذ السلاح منهم ، الطائفة التي كانت بإزاء العدو ودون المصلية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك قول ابن عباس . حدثني بذلك المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فَإِذا سَجَدُوا يقول : فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك في صلاتك تصلي بصلاتك ، ففرغت من سجودها . فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ يقول : فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم خلفكم مصافي العدو في المكان الذي فيه سائر الطوائف التي لم تصل معك ولم تدخل معك في صلاتك . ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ فقال بعضهم : تأويله : فإذا صلوا ففرغوا من صلاتهم فليكونوا من ورائكم . ثم اختلف أهل هذه المقالة ، فقال بعضهم : إذا صلت هذه الطائفة مع الإمام ركعة ، سلمت وانصرفت من صلاتها حتى تأتي مقام أصحابها بإزاء العدو ولا قضاء عليها ، وهم الذين قالوا : عنى الله بقوله : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أن تجعلوها إذا خفتم الذين كفروا أن يفتنوكم ركعة . ورووا عن